الخميس، أبريل 16، 2009

الوجه الآخر للعمل الخيري الغربي

د. حمدي عبد الرحمن حسن


Image
السودان يتمتع بخبرة واسعة في العمل الإنساني
يطرح قرار الرئيس السوداني عمر البشير طرد منظمات الإغاثة الدولية العاملة في بلاده، ولاسيما في إقليم دارفور، أكثر من علامة استفهام حول طبيعة العمل الخيري الغربي وحقيقة أبعاده ومراميه، وهل يعد حقا إحدى أدوات الاختراق الجديدة للعالم غير الغربي؟

لقد قام السودان بطرد نحو (13) وكالة من وكالات الإغاثة الأجنبية بعد صدور قرار المحكمة الجنائية الدولية في 4 مارس الماضي بتوقيف الرئيس البشير بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال سنوات الصراع في منطقة دارفور الغربية.

ويرمي السودان إلى تبني خطة يتم إقرارها خلال عام واحد من أجل (سودنة) العمل الإنساني، وهو ما يعني أن الحكومة السودانية والمنظمات الوطنية سوف تناط بهما مهمة العمل الإنساني في كل أنحاء السودان، وربما لا ينطبق ذلك على منظمات الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

ومن المعروف أن السودان يتمتع بخبرة واسعة في العمل الإنساني؛ نظرا لوجود ملايين اللاجئين والنازحين الذين وصلوا إلى البلاد من غرب وشرق إفريقيا خلال موجة الجفاف في منتصف الثمانينيات، فضلا عن السودانيين الجنوبيين الذين فروا إلى الشمال خلال سنوات الحرب الأهلية في السودان.

الرداء الإنساني لأهداف أخرى

وطبقا لمارك سيمونز Mark Simmons، رئيس منتدى المنظمات غير الحكومية الدولية في الخرطوم، توجد 74 من المنظمات الدولية غير الحكومية تعمل الآن في شمال السودان، أي أنها لا تشمل وكالات المعونة العاملة في جنوب السودان.

ويتهم السودان المنظمات الخيرية الغربية بالفساد والتجسس باعتبارها إحدى أدوات الاستعمار الجديد، فطبقا للأمم المتحدة تكلف نفقات نقل مواد الإغاثة إلى دارفور نحو مليار دولار سنويا، بيد أن معظم هذه الأموال تذهب إلى تلك المنظمات وتنفق على الموظفين في شكل رواتب وامتيازات.

لا مراء إذن في أن الغرب في تعامله مع العالم غير العربي، ولاسيما الإفريقي والمسلم، يغلف دوما أهدافه الحقيقية، وإن كانت غير معلنة، برداء إنساني عام، بيد أن الدروس التاريخية تؤكد أن ثمة أبعادا وغايات مصلحية ربما يكون آخرها الاعتبار الإنساني.

وتظهر فضيحة اختطاف الأطفال التشاديين العام الماضي على أيدي جمعية خيرية فرنسية "زوز آرك" Zoe’s Ark بحجة توفير الرعاية الصحية لهم في أوروبا مدى زيف الذرائع الأخلاقية والإنسانية العامة التي تسوقها المنظمات الأهلية وغير الحكومية الغربية في تعاملها مع الواقع الإفريقي.

وتطرح تلك الفضيحة ثلاثة أنماط من التساؤلات المهمة التي تساعدنا على فهم ما بات يعرف في الأدبيات المعاصرة باسم التدخل الإنساني "Humanitarianism"، فما هي طبيعة ذلك التدخل؟ ولمصلحة من تعمل المنظمات والجمعيات الأهلية غير الحكومية في إفريقيا؟

وأخيرا: ما دلالة وأهمية فضيحة اختطاف الأطفال من تشاد؟

يشير الفقه الغربي، ولو على مستوى المثاليات السياسية إلى التدخل الإنساني باعتباره عملا من أعمال حماية الأرواح والتخفيف من حدة معاناة البشر التي تسببها الكوارث الطبيعية أو التي جناها الإنسان على نفسه، وتقوم المنظمات غير الحكومية بهذا العبء وتقديم خدماتها لجميع الأفراد الذين وقعوا ضحية هذه الكوارث بغض النظر عن خلفياتهم العرقية والدينية والإقليمية.

وتظهر وقائع أحداث فضيحة تشاد تورط (16) أوروبيا بينهم 9 فرنسيين ينتمون إلى جمعية خيرية تسمى "زوز آرك"، وقد تم اعتقالهم في بلدة إبيتشي التشادية على الحدود مع إقليم دارفور السوداني، وهم يحاولون السفر إلى فرنسا وفي معيتهم نحو (103) أطفال زعموا أنهم أيتام من إقليم دارفور.

وعلى الرغم من مزاعم الجمعية الخيرية الفرنسية بأن الخطة كانت ترمي إلى إنقاذ أطفال دارفور، فإن تحريات الأمم المتحدة وفيها المفوضية العليا للاجئين وصندوق الطفولة (اليونيسيف) تؤكد أن أحدا من الأطفال لم يكن يتيما، ونظرا للوجود العسكري الفرنسي الدائم في تشاد يصبح من غير المقبول عقلا أن العسكرية الفرنسية لم تكن على علم بهذه المؤامرة، وعوضا عن مراجعة سجلات المنظمات الخيرية الفرنسية العاملة على الأراضي التشادية من قبل حكومة الرئيس ديبي، فإنه تم غض الطرف تماما عن تلك القضية ربما في مقايضة سياسية من جانب تشاد للحصول على الدعم الفرنسي.

دارفور.. وتسييس العمل الخيري

ولعل المثل الأبرز الآخر لتسييس العمل الخيري الغربي في إفريقيا يأتي من الحالة الدارفورية، فقد دأبت كثير من هذه المؤسسات الخيرية والنشطاء الغربيون في توصيف الصراع على غير حقيقته باعتباره صداما بين العرب والأفارقة، ومارست هذه المنظمات الخيرية والحقوقية الغربية ضغوطا شديدة على حكوماتها للتدخل المباشر في دارفور، وربما يكون ذلك وراء توصيف الكونجرس وإدارة الرئيس بوش للصراع الدارفوري عام 2004 على أنه إبادة جماعية.

واللافت للنظر حقا أن تحالف إنقاذ دارفور "Save Darfur Coalition" يزعم أنه يمثل نحو 130 مليون شخص، يضم نحو (180) منظمة دينية وحقوقية وإنسانية، من بينها بطبيعة الحال منظمات كنسية يمينية ويهودية صهيونية، وقد تمكن هذا التحالف بشكل غير مسبوق من جعل قضية دارفور محور اهتمام الرأي العام الدولي والخروج بها من إطارها الوطني المحدود.

يطرح ذلك كله أكثر من علامة استفهام واحدة، فالحملات العدائية التي تشنها هذه المنظمات على الحكومة السودانية مثل المطالبة بوقف الطيران فوق الإقليم يمكن أن تضر بتدفقات الأعمال الخيرية والإغاثية بالإقليم.

كما أن الأوضاع داخل دارفور ازدادت تعقيدا، حيث أصبحت هذه المنظمات (الإنسانية) قاطرة للتدخل الأجنبي في السودان، وذلك من أجل تحقيق أهداف وغايات هي أبعد ما تكون عن الإنسانية والخيرية العامة.

إن كثيرا من الكتابات النقدية لسياسات المساعدات الغربية تنفي عنها الوجه الإنساني الصرف، وتعترف بأن لها أهدافا أخرى تتراوح بين المكاسب المادية أو السياسية وما شاكلها، وثمة من يزعم أن مساعدات الغذاء نادرا ما تكون من أعمال التطوع والخير.. إنها أضحت تجارة كبيرة، وتحقق أرباحا طائلة للمنخرطين فيها.

يقول تشارلز وارلدج Charles Worledge أحد مسئولي شركة شحن "Sealift" الناقل الرئيسي لبرنامج الغذاء الأمريكي ضد الجوع:

"لقد كنت أعتقد أن هذه المساعدات الغذائية هي عمل خيري.. إنها ليست كذلك.. إنها مجرد تجارة".

ولا شك أن إفريقيا تمثل سوقا ضخمة لتجارة المساعدات الغذائية، حيث تحقق جميع الأطراف الفاعلة ربحا معلوما منها، فتكلفة شحن المواد الغذائية لمسافات طويلة قد تكفي في بعض الحالات لتلبية المتطلبات المالية اللازمة للبحث عن مصادر محلية لإنتاج الغذاء وقت الأزمات.

ولا شك أن أزمة الغذاء الراهنة قد استغلت من جانب البعض باعتبارها فرصة مواتية لضخ المحاصيل المعدلة وراثيا في الأسواق والدفع بها إلى الجوعى والمحتاجين، إذ إن هؤلاء لا يستطيعون في ظل أوضاعهم المادية المتردية حماية أنفسهم من هذه السياسات الغربية البغيضة التي تنظر إليهم باعتبارهم فئران تجارب.

وقد استخدمت قنوات المساعدات الغذائية لترويج الحبوب الغذائية المعدلة بالتكنولوجيا العضوية، ولعل أحد أبرز الأمثلة الفاضحة على فساد سياسات المساعدات الغذائية تتمثل في حالة الغذاء المسمم في الإكوادور عام 2001 والصويا المسممة في المساعدات الموجهة إلى كولومبيا، وهو الأمر الذي دفع بعض البلدان إلى رفض وجود حبوب معدلة وراثيا ضمن مساعدات الغذاء؛ فقد رفضت زامبيا عام 2002 هذه المنتجات المعدلة وراثيا والتي شحنت إليها ضمن برنامج المساعدات الغذائية.

وعندما ضربت موجة من الحر الشديد كلا من أنجولا والسودان عام 2004، وفي ظل المواقف الصراعية العنيفة التي تعاني منها كلا منهما، قامت وكالة التنمية الدولية الأمريكية وبرنامج الغذاء العالمي بممارسة ضغوط شديدة على حكومتي البلدين من أجل قبول مساعدات غذائية تتضمن مواد مهجنة عضويا.

ولا تزال الاختبارات المعملية تظهر وجود مواد مسممة في المساعدات الغذائية الموجهة للبلدان الإفريقية.

فهل يمكن القول إن الغرب يحاول أن يتجمل بإظهار وجهه الإنساني في حين أنه يخفي وراءه وجها آخر لا إنسانيا؟!


أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، وخبير في الشئون الأفريقية.

ليست هناك تعليقات: